الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
طوى القرآن أخرة أمر امرأة العزيز وحلول سني الخصب والادّخار ثم اعتراء سني القحط لقلة جدوى ذلك كله في الغرض الذي نزلت السورة لأجله ، وهو إظهار ما يلقاه الأنبياء من ذويهم وكيف تكون لهم عاقبة النصر والحسنى ، ولأنه معلوم حصوله ، ولذلك انتقلت القصة إلى ما فيها من مصير إخوة يوسف - عليه السّلام - في حاجة إلى نعمته ، ومن جمع اللّه بينه وبين أخيه الذي يحبه ، ثم بينه وبين أبويه ، ثم مظاهر عفوه عن إخوته وصلته رحمه ، لأن لذلك كله أثرا في معرفة فضائله . وكان مجيء إخوة يوسف - عليه السّلام - إلى مصر للميرة عند حلول القحط بأرض مصر وما جاورها من بلاد فلسطين منازل آل يوسف - عليه السّلام - ، وكان مجيئهم في السنة الثانية من سني القحط . وإنما جاء إخوته عدا بنيامين لصغره ، وإنما رحلوا للميرة كلهم لعل ذلك لأن التزويد من الطعام كان بتقدير يراعى فيه عدد الممتارين ، وأيضا ليكونوا جماعة لا يطمع فيهم قطاع الطريق ، وكان الذين جاءوا عشرة . وقد عرف أنهم جاءوا ممتارين من تقدم قوله : قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ [ يوسف : 55 ] وقوله الآتي : أَ لا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ [ سورة يوسف : 59 ] . ودخولهم عليه يدلّ على أنه كان يراقب أمر بيع الطعام بحضوره ويأذن به في مجلسه خشية إضاعة الأقوات لأن بها حياة الأمة . وعرف يوسف - عليه السّلام - إخوته بعد مضي سنين على فراقهم لقوة فراسته وزكانة عقله دونهم . وجملة وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ عطف على جملة فَعَرَفَهُمْ . ووقع الإخبار عنهم بالجملة الاسمية للدلالة على أن عدم معرفتهم به أمر ثابت متمكن منهم ، وكان الإخبار عن معرفته إياهم بالجملة الفعلية المفيدة للتجدد للدلالة على أن معرفته إياهم حصلت بحدثان رؤيته إياهم دون توسم وتأمل . وقرن مفعول مُنْكِرُونَ الذي هو ضمير يوسف - عليه السّلام - بلام التقوية ولم يقل وهم منكرونه لزيادة تقوية جهلهم بمعرفته . وتقديم المجرور بلام التقوية في لَهُ مُنْكِرُونَ للرعاية على الفاصلة ، وللاهتمام بتعلق نكرتهم إياه للتنبيه على أن ذلك من صنع اللّه تعالى وإلا فإن شمائل يوسف - عليه السّلام - ليست مما شأنه أن يجهل وينسى . والجهاز - بفتح الجيم وكسرها - ما يحتاج إليه المسافر ، وأوله ما سافر لأجله من